الوجوه المحترقة على الرمال
صاحبنا كان يقتات ويعيش على صحبة أولئك الأخيار في زمن عز فيه الناصر والجار..
كم كان يكابد الثبات عندما يتذكره الناس في الأعياد، أو عند الانكسارات ليقولوا له : "قلنالكم اطلعوا"
صاحبنا قاسى الشدائد دون أهل وجار، فلقد عضته أنياب الفقر وشردته يد النزوح وكسره شعور الخذلان ثم ما ثبت معه إلا زوجه وصاحبه..
زوجته التي وقفت معه يوم كان "فلان" مجرداً عن الوسوم والألقاب، فلم يكن الأمير ولا السيد، فحفظت أولاده وتعامت عن فقره وآثرت ما عند الله وهي المرأة المجبولة على حب الزينة والمتاع!
صاحبه الذي واساه بقليل ما لديه من متاع.... وكبير ما لديه من شعور إذ لم يكن يومئذ مصالح ومنافع..
لم يكن إلا الحب الصادق العزيز، الذي هو الآخر دخل سفر التاريخ وصار حكايات ورقية لا حقيقة لها في عالم الناس اليوم!
صاحبنا اليوم يطوف حوله الناس ويشار إليه بالبنان ويتوافد إليه جموع الخاذلين وليس هذا بغريب فهذه هي الحياة، وهؤلاء هم الناس..
الغريب حقاً أن يتنكر للوجوه المحترقة على رمال مكة ويستبدلها بوجوه حسان منعمّة لم تغيرها سنين الكفاح الطويلة..
الغريب أن يأنف من الأيدي المتشققة بمعاول الخندق، والبطون الضامرة بفعل الحصار، والأجساد المنهكة بحمى يثرب ثم يأنس ويميل إلى الأبدان الممتلئة والألسن العذبة والأجسام المنتصبة كأنها خشب مسندة!
كثير هم الناس الذين شاركونا تلك اللحظات، فأين هم اليوم وأين نحن منهم، وما موقفنا حين نلقاهم ويلقوننا..
تروي أمنا عائشة رضي الله عنها أن امرأة عجوز جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففرح لها وأكرمها وأحسن إليها فسألته عن سبب الحفاوة الكبير فقال كلمات خالدة تكتب بماء العيون:
"كانت تأتينا زمن خديجة"
تأملت هذا الحديث كثيراً فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم استعرض الزمان كله واقتطع منه قطعة محببة إلى قلبه سماها: زمن خديجة
فمن شاركنا ذاك الزمان من صغير وكبير وقليل وكثير فهو منا ونحن منه، وله منا كل خير ومعروف إذ كان من أهل الزمان الجميل!
ثم تأملت في القطعة تلك فإذا عنوانها خديجة!
وكأن كل ذكرى وجمال قد ارتبط بتلك المرأة الحنون وكما تقول عائشة في لحظة غيرة: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة!!
حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوزع الهدايا والصدقات في صديقات خديجة..
فالوفاء كان لخديجة في حياتها، ولصديقاتها بعد مماتها..
وبنفس الطريقة ميز نبينا صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا بكر الصديق، فحين اختلف معه أحد الصحابة وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم اشتد عليه وقال:
"إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي"
هذا الخلق النبيل: الوفاء لأهل السابقة،
لمن عاش معنا في ساعة العسرة،
لمن واسانا إذ خذلنا الناس،
وضحى إذ أحجم الناس،
وأعطى إذ أخذ الناس..
هذا الخلق لا يجيده إلا النبلاء أصحاب النفوس الكبيرة التي تتعالى على الصخب، وتقفز على المكاسب، وتعلم أن المبادئ أعظم من المصالح، وأن الأخلاق والمروءات هي زينة الرجال الأحرار
أخرج البخاري عن أسلَمَ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغاراً. والله ما يُنضحون كراعاً ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن يأكلهم الضَّبعُ وأنا بنتُ خَفاف بن أيماء الغِفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..
فوقف معها عمر ولم يمضِ، ثم قال: مرحباً بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه غِرارتين ملأهما طعاماً، وجعل بينها نفقة وثياباً، ثم ناولها خِطامه، ثم قال: اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيَكم الله بخير..!
فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها!
فقال عمر: ثكلتك أمك والله إِني لأرى أبا هذه وأخاها وقد حاصرا حصناً زماناً فافتتحناه، ثم أصبحنا نستفيء سهمانَنا فيه.
إذا فتح الله لك باباً، فالتفت خلفك. ابحث عمّن عرفوك قبل أن يعرفك الناس، ومدوا أيديهم إليك يوم تخلّى الجميع، وعمن صدقوك حين كلفهم التصديق.
أولئك أهل البيت، ومن سواهم ضيوف مواسم..
وَقد قيل في الوفاء لأهل العسرة:
وإن أولى البرايا أن تواسيه
عند السرور الذي واساك في الحَزَنِ
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا
من كان يألفهم في المنزل الخشنِ
https://t.me/tamolatee